يحيى بن معاذ الرازي

148

جواهر التصوف

في المعيشة ) وبذل ومواساة » . فالبذل والمواساة عند الشبلي دليل على الزهد ، وقد أكّد هذا المعنى سفيان الثّورىّ في عبارة موجزة فقال : « نعت الفقير السّكون عند العدم ، والبذل والإيثار عند الوجود » . * أما الحبّ فيورث السّخاء بالروح . . والإسلام غنىّ بصور البذل والفداء : بذل الدم والفداء بالروح . . وسنكتفى هنا بلقطة قصيرة من الساعات الحرجة يوم أحد . . هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد أحاطت به كوكبة من أصحابه تترّسوا حوله وجعلوا صدورهم هدفا وغرضا لسهام المشركين دونه . . منهم أبو دجانة سماك بن خرشة الذي أنحنى على النبي صلى اللّه عليه وسلم يقيه بجسمه حتى كثر فيه النّبل فقام مصعب بن عمير يقاتل دونه حتى قتل ، وغيرهما ، وغيرهما ، رضوان اللّه عليهم . فالمحبّة إيثار ، وعلامتها أن لا يدع المحبّ لخاطر محبوبه ميسورا إلا بذله ولا ممكنا إلا قدّمه ولو كانت روحه التي بين جنبيه ، يقول عمر بن الفارض : مالي سوى روحي وباذل روحه * في حبّ من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتنى * يا خيبة المسعى إذا لم تسعفى * * * 217 - « إنما تلقى الزاهد في الدنيا - أحيانا - ليرفق بعباد اللّه إذا زلّوا » [ الحلية : 10 / 67 ] . * ليس الزهد في الإسلام - كما يقول الدكتور التفتازاني رهبانيّة أو انقطاعا عن الدنيا ، وإنما معنى يتحقق به الإنسان ، يجعله صاحب نظرة خاصة للحياة الدنيا ، يعمل فيها ويكدّ ، ولكنه لا يجعل لها سلطانا على قلبه ، ولا يدعها تصرفه عن طاعة ربه . ا . ه . وعلى هذا فليس غريبا على الزاهد رفقه بمن زلّ بعد استقامة ، أو سقط في أحضان الفانية يخصها بكل اهتمامه ، مصروفا عن طاعة ربه . . ويروى لنا أبو نعيم في حليته أن الزاهد العابد مالك بن دينار رحمه اللّه رأى رجلا يسئ في صلاته ، فقال : ما أرحمنى بعياله ، فقيل له : يا أبا يحيى ، يسئ هذا في صلاته وترحم عياله ؟ ! قال : إنه كبيرهم ومنه يتعلّمون . . وها هو سفيان الثوري وهو من زهّاد الكوفة الأوائل ، قال لرجل رآه يجلس قريبا من المنبر : شغلتني يا فلان بقربك من المنبر ، أما خفت أن يقولوا قولا عجيبا ، فيجب عليك ردّه ؟ ! . فقال الرجل له : أليس يقال : أدن واستمع ؟ ! . قال : ذاك لأبى بكر وعمر والخلفاء ، فأمّا هؤلاء فتباعد عنهم ، حتى لا تسمع كلامهم ولا ترى وجوههم . فسفيان يخشى عليه من سطوة الحاكم إن أخطأ فردّه ، ويخشى عليه الوقوع في الذنب إن سمع خطأ وقصّر في رده ، فنصحه بالبعد عن المنبر حتى يسلم له دينه وبدنه . * * *